السياسيةالمقالات

قراءة في تحوُّل استراتيجية الردع الإيراني من حماية العمق إلى استهداف “شرايين” التحالف المعادي (دبي – الدوحة – تل أبيب)

ما بعد صمت الإرادة: …

قراءة في تحوُّل استراتيجية الردع الإيراني من حماية العمق إلى استهداف “شرايين” التحالف المعادي (دبي – الدوحة – تل أبيب)

 

بقلم: أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي

الأحد ١ آذار ٢٠٢٦

رأي وتحليل

 

مقدمة تمهيدية :..

المعادلة المفقودة في واشنطن: ..

لماذا تفشل “المسيرات” أمام “الإرادة الوطنية”؟

 

في فقه الحروب الحديثة لا تُستهل المعارك بإطلاق الرصاص بل بإحكام الطوق ما يشهده المشهد الإقليمي اليوم ليس وليد اللحظة بل هو تتويجٌ لصراع خفيٍّ طويل تحوّل خلاله الهدوء الاستراتيجي إلى أداة ضغط والصمت إلى لغة تهديد. فبعد حرب الاثني عشر يوماً، التي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ المواجهة، راهن التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بذراعه السيبراني المتطور وعضده الإقليمي، على قدرته على بتر رأس المنظومة في طهران عبر تكتيك “الإطباق الصامت” غير مدرك أن الصمت في مدرسة أهل البيت ليس نهاية، بل هو مخاض الانفجار.

 

من “فخ المفاوضات” إلى “كمين الجغرافيا”:..

اعتمد الخصم استراتيجية نفسية عُرفت بـ”تخدير العضوية” مستغلاً غطاء المفاوضات لاختراق المركزية القيادية. لم تكن الموافقة على الحوار انعكاساً لمرونة سياسية، بل كانت حيلة تقنية لتعقب مسارات التواصل مع مركز القرار، تمهيداً لضربة مزعومة لا تتجاوز الساعة. لكن الطرف الآخر وقع في كمين geography إذ تحولت جبهة الضغط المتوقعة إلى مستنقع مفتوح على شرايينه الحيوية لقد أخطأ العدو في تقدير “الصبر الاستراتيجي” الإيراني، الذي لم يكن جموداً بل كان عملية امتصاص للطاقة العدوانية وإعادة توجيهها نحو نقاط الخصم الأشد إيلاماً.

 

“هيهات منا الذلة”: ..

المانيفستو في مواجهة الهلع الرقمي .

بينما لجأ الإعلام المعادي إلى حرب نفسية عبر ترويج شائعة استهداف الرموز بهدف بث الاضطراب الجمعي وتحطيم الروح المعنوية كان الرد إيرانياً على صورة “مرآة عاكسة” الظهور الهادئ للقيادة حطم البروباغندا في ثوانٍ، وخطاب “الإسرائيليون يسلّون أنفسهم بالأوهام” نقل الرعب إلى عمق تل أبيب هنا تتجلى السردية الكبرى فاستحضار مشهد الطف ونداء الإمام الحسين (عليه السلام) الخالد: ..

ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة .

يحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى قضية وجودية عقائدية لا تخضع لحسابات الربح والخسارة المادية وتجعل من التكنولوجيا الأكثر تطوراً عاجزة أمام “شيفرة” الروح المستمدة من وهج كربلاء.

 

تفكيك “الزلزال السيبراني”: ..

استهداف الشرايين .

بناءً على معطيات الأول من مارس ٢٠٢٦ لم تعد الحرب محصورة في الجغرافيا بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني حيث يدير الإيرانيون معركة “تفتيت الشرايين” وفق مبدأ “العقاب الرقمي”

١- الشلل الرقمي للداعمين: ..

لم تعد استراتيجية طهران تقتصر على القواعد العسكرية بل امتدت إلى “الأعصاب الرقمية” للدول الحليفة للعدو. فاستهداف أنظمة التحكم في الطاقة والمياه بدبي والمنطقة الشرقية يسعى لإحداث توقف مفاجئ يشل الحياة اليومية ويضع الأنظمة تحت ضغط شعبي هائل.

٢- ضرب العصب الاقتصادي العالمي: ..

النفاذ إلى أنظمة التشغيل في موانئ دبي وجبل علي وموانئ قطر والكويت لا يهدف فقط لتعطيل الإمدادات العسكرية الأمريكية بل لتحويل الصراع إلى أزمة دولية تضرب حركة التجارة العالمية.

٣- اختراق السياج المالي: ..

استهداف المنظومات البنكية الكبرى في الخليج، لبث الفوضى وسحب الثقة من استقرارها الاقتصادي كرسالة واضحة أن من يفتح أرضه وسماءه للعدو، سيخسر أمنه الرقمي والاقتصادي.

 

نقاط الضعف القاتلة: ..

ثغرة التبعية وسيادة الصمود .

رغم اعتماد هذه الدول على أحدث أنظمة الصد السيبراني والذكاء الاصطناعي الأمريكي والإسرائيلي استغلت الوحدات السيبرانية الإيرانية “ثغرات بنيوية” (Zero-Day) كشفت عن هشاشة “التبعية التقنية”. فعندما تعرضت خوادم “سيليكون فالي” لضربات مضادة انكشفت الأنظمة العربية بالكامل في المقابل مكّن “العزل الرقمي” الداخلي (“السيادة الرقمية”) إيران من امتصاص أعنف الضربات بينما افتقر الحلفاء لهذه المنعة مما جعلهم أهدافاً سهلة في حرب الفضاء الافتراضي.

 

في النهاية :.. معادلة الردع الجديدة .

نحن أمام انقلاب في قواعد الاشتباك. لقد تجاوزت إيران مرحلة الدفاع السلبي عن عمقها إلى “العقاب الاستراتيجي” المباشر واضعةً مصالح التحالف المعادي في المنطقة (دبي، الدوحة، تل أبيب) على طاولة الاستهداف التوقع القادم يشير إلى “سقوط برمجي” لمنشآت استراتيجية في دول الجوار في مشهد يؤكد أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع نصراً وأن من يملك إراقة لا تعرف المساومة على الكرامة ينتصر حيث تتحطم أسطورة “الضربة الجراحية”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
آخر الأخبار