
إيران بعد نصف قرن من الحصار: … فن البقاء وإدارة الصراع .
معركة العقول قبل الصواريخ.. كيف حوّلت طهران الضغط إلى نفوذ؟
بقلم: أ. م. د. والحقوقي
مهدي علي دويغر الكعبي
الثلاثاء، ٧ نيسان ٢٠٢٦
رأي وتحليل
مقدمة
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضجُّ التصريحات بنبرات التهديد والوعيد تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجًا فريدًا في إدارة الصراع. إنها دولةٌ عاصرت الحصار لعقود فخرجت منه لا منهكةً بل أكثر صلابة ولا منكسرةً بل أمهر في فنون المراوغة السياسية خمسون عامًا من العقوبات والضغوط لم تُسقطها بل صنعت منها لاعبًا يُجيد الصبر الاستراتيجي ويحوّل التحديات إلى أوراق قوة رابحة.
في الجهة المقابلة يبدو المشهد الأمريكي – في ظل الخطاب التصعيدي الذي تبنّاه الرئيس دونالد ترامب – أقرب إلى اندفاع سياسي حاد يتكئ على لغة التهديد المباشر، حتى باتت المنطقة وكأنها أمام معادلة غير متكافئة شكلاً، لكنها عميقة جوهرًا: صخبٌ في التصريحات مقابل هدوءٍ في التخطيط، ونزقٌ سياسي يُقابَل بردع محسوب.
إيران اليوم لا تتحرك بردود أفعال آنية، بل ضمن رؤية طويلة الأمد، تدرك فيها أن السيطرة لا تُبنى بالضربة الأولى بل بتراكم النفوذ وإدارة مفاتيح الجغرافيا السياسية. ومن هنا، لم يَعُد مضيق هرمز مجرّد ممرّ مائي، بل تحوّل إلى عنوانٍ لقدرة طهران على التأثير في شريان الطاقة العالمي، وإلى ورقة ضغط تعيد رسم حدود القوة في المنطقة.
إنها ليست مواجهة عسكرية تقليدية بل صراع إرادات بين من يراهن على الصدمة والتصعيد، ومن يستثمر في الزمن والصبر. وبين هذا وذاك، تتشكل معادلة جديدة مؤداها أن الهدوء لم يعد ضعفًا، بل قد يكون أخطر أشكال القوة، وأن من يتحمل طويلًا هو من يفرض الشروط في النهاية.
من الخليج إلى العالم: …
إيران تمسك بخيوط التأثير .
في لحظة دولية شديدة التعقيد يتجلى التناقض بين نمطين متباينين من إدارة الصراع اندفاع سياسي تصعيدي تمثله تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب يقابله خطاب إيراني محسوب يقوم على الصبر الاستراتيجي وحسن إدارة الوقت وبين هذا وذاك تقف المنطقة بأسرها تحت مجهر تهديدات غير مسبوقة تمسّ الأمن العالمي قبل الإقليمي.
تصريحات ترامب الأخيرة التي حملت لهجة تهديد صريحة بتدمير البنية التحتية الإيرانية واستهداف مصادر الطاقة والجسور، تعكس انتقالًا من لغة الضغط السياسي إلى حافة الفعل العسكري الشامل. وهذه اللغة، التي تخرج عن الأطر الدبلوماسية التقليدية، لا تضع إيران وحدها أمام اختبار، بل تضع النظام الدولي بأسره أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل قواعد الاشتباك واحترام القانون الدولي.
في المقابل لم تنجرّ طهران إلى ذات النسق التصعيدي بل اختارت خطابًا أقل انفعالًا وأكثر ثباتًا. إذ يكرّر المتحدثون باسم المؤسسات العسكرية والسياسية الإيرانية معادلة واضحة: .. الرد سيكون شاملًا لكنه محسوب ولن يقتصر على الجغرافيا الإقليمية بل قد يمتد إلى المصالح الأمريكية حيثما وُجدت وهذا التهديد الهادئ وإن بدا أقل صخبًا يحمل في طياته رسائل ردع عميقة.
مضيق هرمز: …
الورقة التي غيّرت قواعد اللعبة .
إن إغلاق مضيق هرمز أو التحكم به كورقة ضغط يعكس إدراكًا إيرانيًا دقيقًا لمفاتيح القوة في هذا الصراع فالمضيق ليس مجرد ممر مائي بل شريان اقتصادي عالمي يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة وأي اضطراب فيه لا ينعكس على واشنطن وطهران فقط، بل على الاقتصاد العالمي برمّته وهو ما ظهر جليًا في ارتفاع أسعار النفط وتزايد القلق الدولي.
واللافت أن طهران برفضها وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، تحاول إعادة تعريف قواعد التفاوض عبر المطالبة بحلول جذرية تشمل رفع العقوبات وإعادة الإعمار وترتيبات أمنية دائمة إنها لا تبحث عن تهدئة مرحلية، بل عن إعادة صياغة شاملة لمعادلة الصراع.
الداخل الأمريكي: …
قيود داخلية وتصعيد خارجي .
في الداخل الأمريكي لا تبدو الأمور منفصلة عن هذا التصعيد فتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي والقلق المتزايد لدى النخب السياسية، يضعان الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة: .. بين الاستمرار في التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية أو التراجع لتجنب كلفة داخلية قد تكون باهظة خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
أما على المستوى الميداني فإن استهداف البنى التحتية المدنية يفتح بابًا خطيرًا في طبيعة الحروب الحديثة حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الإنسانية والقانونية فمثل هذه العمليات وفق خبراء القانون الدولي قد تُصنّف كخرق جسيم لقوانين النزاعات مما يزيد من تعقيد المشهد ويُدخل أطرافًا دولية أخرى على خط الأزمة.
صمود إيراني واستنزاف طويل . ..
ورغم شدة الضربات وتعدد الجبهات تُظهر إيران قدرةً على امتصاص الصدمة والاستمرار في الرد، سواء عبر أدواتها المباشرة أو عبر حلفائها في المنطقة، مما يؤكد أن الصراع لم يَعُد ثنائيًا بحتًا بل تحوّل إلى شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية.
في النهاية:.. حين يصبح الهدوء اداة قوة :..
لا يبدو أن هذه المواجهة تتجه نحو حسم سريع بل نحو استنزاف طويل تُختبر فيه الإرادات قبل القدرات بين “جنون” التصريحات و”هدوء” الردود، تبقى الحقيقة الأهم أن المنطقة تقف على حافة تحول تاريخي، قد يعيد رسم موازين القوى ويحدد شكل النظام الإقليمي لسنوات قادمة.
فمن العقوبات إلى النفوذ ومن الضغط إلى التحكم، تُعيد إيران تعريف القوة في الشرق الأوسط مؤكدة أنها لاعب لا يمكن تجاوزه ودولة أتقنت فن البقاء في عالم لا يرحم إلا من يتقن قواعد اللعبة.
