المقالات

حين يصبح الموت مسرحًا للشماتة بقلم المهندس الاستاذ حيدر العويدي الجبوري. جمهورية العراق

حين يصبح الموت مسرحًا للشماتة

 

في بلاد أرهقها وجع الحروب، وأثقل كاهلها فساد بعض السياسيين رحل شاب في عمر الزهور.

لم يكن حديث الناس بسبب إنجازٍ أو تقصير، ولا بسبب خيرٍ أو شرٍّ ارتكبه.

رحل بصمت، لكن موته صار حديثًا… لا للرثاء، بل للسخرية. لا للترحّم، بل للتشفي والشماتة.

 

تكدّست التعليقات، وتزاحمت العبارات، بعضها يحتفل، وبعضها يشمت، وكأن الموت تحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات.

لا يُعرف عن الميت إلا اسمه، لكنه كان كافيًا لإطلاق وابل من الكراهية.

 

فما الذي يجعلنا نفرح بالحزن؟

متى أصبحت الفجيعة فرصة للانتقام؟

وأيّ خلل هذا الذي يجعلنا نُحمّل الأبرياء وزر غيرهم، فقط لأنهم وُلدوا في عائلةٍ ما، أو ارتبطوا باسمٍ ما؟

 

حين نُشمت بموت إنسان، فإننا لا نُدين الميت، بل نُدين أنفسنا.

حين نضحك في وجه الحزن، فإننا نكشف عن تشوّهٍ أخلاقي عميق.

ذلك لأن الموت، بحد ذاته، امتحان للرحمة، وليس ميدانًا للحقد.

 

نعم، من حقّنا أن نرفض الظلم، ونغضب من الفساد، ونطالب بالتغيير.

لكن ما ليس من حقنا أن نحول الفقد الإنساني إلى عرض ساخر.

العدالة لا تُبنى على الشماتة، ولا يُصلح المجتمع بالانتقام من الأسماء.

 

الفرق بين الوعي والحقد، أن الأول يضيء الطريق، والثاني يُطفئ القلب.

 

 

🛠️ كيف نُعالج هذه الظاهرة؟

1. تعزيز ثقافة الرحمة:

عبر الإعلام، والخطاب الديني، والتربية الأسرية. لا يجب أن تُقابل المصائب الشخصية بالكراهية الجماعية.

2. فصل الإنسان عن الانتماء:

ليس كل مَن وُلد في بيتٍ له نفوذ، مذنبًا. يجب أن نقيس الناس بأفعالهم لا بألقابهم.

3. كبح الخطاب الإلكتروني المنفلت:

مواقع التواصل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للفتك المعنوي. يجب أن يكون هناك وعي مجتمعي يرفض نشر الكراهية، ويحاسب على التشفّي.

4. نشر المحتوى الإصلاحي الإنساني:

الفن، الكتابة، والإعلام النظيف قادرة على إصلاح المزاج العام، وتهذيب الذوق الاجتماعي.

5. التذكير بالقيم المشتركة:

الموت قاسم مشترك بيننا جميعًا، ومن لا يترحم على غيره، قد لا يُترحم عليه يومًا.

 

 

نحن لا نحتاج فقط إلى إصلاح الدولة، بل إلى ترميم أرواحنا.

المجتمع الذي يشمت بالموتى، بحاجة إلى صحوة، لا شعارات.

فالكرامة لا تكتمل دون رحمة… والوطن لا يُبنى على الكراهية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار