
🔴 الإعلامي والكاتب: عبد القادر جمعة
🔵 في شهادة نارية… الطاهر وطار أطلق نيرانه على الجميع دون خوف..
🔵من الجاحظية إلى “قصيد في التذلل”:يروي المعارك الأخيرة لوطار
____
إعداد: سمية معاشي
⭕ في ذكرى رحيله الخامسة عشرة.. الطاهر وطار كما رآه عبد القادر جمعة: صوت لا يُنسى ومواقف لا تشترى
خمسة عشر عاما مرّت على رحيل عميد الأدب الجزائري الطاهر وطار، ولا يزال صدى صوته ومواقفه حيا في ذاكرة من عرفوه ورافقوه. الإعلامي والكاتب الجزائري عبد القادر جمعة خصّ الراحل بمقال مؤثر، استرجع فيه محطات من علاقته الشخصية والفكرية مع واحد من أبرز رموز الثقافة الجزائرية، مؤكدا أن الطاهر وطار لم يكن مجرد روائي وأديب، بل كان صوتا حرا، ومثقفا نزيها، ورمزا للثبات في زمن المواقف المترددة.
في مقاله، يقول عبد القادر جمعة:
“عمي الطاهر… كم نفتقد صوتك في هذه الأوقات العصيبة!”
بتلك العبارة العاطفية، بدأ رحلته في استحضار ذكرى صديقه ورفيق دربه، متحدثا عن بداية صداقتهما التي نشأت في سياق نضالي، خلال لقاء نظمته “التنسيقية الوطنية لمناهضة المدّ الصهيوني والتطبيع”، بمناسبة إعلان زيارة مرتقبة للمغني الصهيوني إنريكو ماسياس إلى الجزائر، وهي زيارة لم تتم، لكنها كانت سببًا في تأسيس التنسيقية التي لم تدم طويلًا، كما يقول جمعة.
كان الطاهر وطار، حينها، من أول الداعمين لهذه المبادرة، حيث فتح أبواب “الجاحظية”، التي أسسها، لعقد لقاءات التنسيقية. وهناك، بدأت العلاقة الشخصية بينه وبين عبد القادر جمعة، عقب مداخلة له في أحد الاجتماعات، تحوّلت إلى حديث مطوّل في مكتب وطار، ثم إلى صداقة امتدت لثماني سنوات.
يصف جمعة تلك السنوات بأنها كانت فرصة نادرة للتعرف عن قرب على قامة فكرية طالما سمع باسمه وهو على مقاعد الابتدائية. ويستعيد تفاصيل تلك المرحلة، عندما كان مديرا لجريدة “البلاد”، وكان مقرها قريبا من “الجاحظية”، ما جعله يلتقي الطاهر وطار يوميا تقريبا على مائدة الغداء. وكانا يتقاسمان الفاتورة “يوما بيوم”، مع تخصيص وجبة شهرية مميزة في مطعم “الكوراكويا” القريب من شارع ديدوش مراد.
في نظر عبد القادر جمعة، كان الطاهر وطار مثالا نادرا للمثقف الملتزم، النزيه، والمستقل. عمل على بناء الجاحظية كمن يبني بيتا تقليديا، حجرا فوق حجر، دون أن يعبأ بقلة الدعم أو غياب المساندة. وكان صوته عاليا لا يهادن، لا يجامل سلطة، ولا يسعى لإرضاء معسكر سياسي أو أيديولوجي.
مواقفه الصلبة جلبت له الكثير من المتاعب، لكنه لم يتراجع عنها. ويذكر جمعة، من بين أبرز مواقفه، هجومه على اتحاد الكتّاب الجزائريين، حين وصف قيادته بـ”قطاع الطرق”، بعدما أعلنوا عن تنظيم حفل تكريم له في مسقط رأسه مداوروش دون استشارته. ورغم قسوته في التعبير، فقد حافظ على علاقات إنسانية طيبة مع معظم من انتقدهم.
كما أشار إلى خلافه الشهير مع الروائي واسيني الأعرج، الذي تحوّل إلى سجال صحفي، لكنه لم يمنع واسيني من زيارته في باريس أثناء رحلة علاجه، وهو موقف ترك أثرًا طيبًا في نفس وطار، الذي قدّر الوفاء رغم الخلاف.
حتى في أواخر أيامه، ظل الطاهر وطار وفيًا لقناعاته، ولم يهادن ما كان يسميه “المثقف الرخو”، الذي لا يملك عمودًا فكريا، ويسعى وراء المنافع حيثما وُجدت. وكانت “قصيد في التذلل”، التي كتبها في آخر أيامه، بمثابة رصاصة أخيرة في معركته الفكرية ضد الانتهازية الثقافية.
يختم عبد القادر جمعة شهادته بالقول إن ما صنع أسطورة الطاهر وطار لم يكن فقط نتاجه الأدبي، بل مواقفه الحاسمة وصوته الواضح عندما كانت الأصوات الأخرى تتهامس أو تصمت. وهو يرى أن إرث وطار الأدبي ما زال بحاجة إلى قراءة جديدة، في سياق متجدد يعطي لمكانته ما تستحقه.
رحل الطاهر وطار، لكن صوته لا يزال يرنّ في الذاكرة. رحم الله “عمي الطاهر”، ورحمنا في هذه الأوقات العصيبة.
_______

