الجنرال الهاشمي حجريس، بقلم سمية معاشي

📍#شخصية_اليوم: الجنرال الوسيم والهادئ، الذي كان وجوده في الجزائر قلعةً للوحدة الوطنية ومنبرًا للثقافة العربية
إنه الجنرال الهاشمي حجريس، رجل جمع بين صرامة العسكري ونبل المثقف فاستحق أن يُذكر لا كقائد فقط، بل كمدرسة قائمة بذاتها.
(20 أكتوبر 1932 – 23 سبتمبر 2011)
وُلِد بمدينة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو، والتحق بصفوف جيش التحرير الوطني يوم 9 أبريل 1956، ليُعيَّن بعد سنوات من الكفاح المسلّح في وحدات #الجيش المتمركزة على الحدود التونسية–الجزائرية.
ويقول الدكتور محيي الدين عميمور:
في سنة 1960، عهد إليه رئيس الأركان العامة لجيش التحرير الوطني، العقيد هواري بومدين، بإدارة المحافظة السياسية لقيادة الأركان. ثم واصل نفس المهمة بعد استرجاع الاستقلال، فترك فيها بصماته الواضحة، من خلال إشرافه على هيكلة جهازها، وعصرنة مهامها، وجعلها تواكب التطورات التي حققها الجيش الوطني في تلك الفترة.
وكان إلى جانب سي الهاشمي نخبةٌ من #الضباط النشطين، على رأسهم ـ مع حفظ الألقاب ـ حمودة عاشوري، وتضمّ المجموعة أحمد عرفي، وعبد العزيز بن دادة، ومصطفى الأجنف، وعددًا من شباب الخدمة الوطنية، على ما أتذكر، إلى جانب مصوّر سينمائي يعمل بفيلم 35 مم، وهو الذي احتفظتُ به لاحقًا ضمن المجموعة الرئاسية في فيتنام، فأفلت من الموت إثر سقوط طائرة الصحفيين يوم 8 مارس 1974.
وكانت زُبدة هذه النشاطات إصدار مجلة الجيش باللغة العربية، التي كانت تصدر إلى جانبها نسخة مترجمة إلى لغة أجنبية، إضافة إلى العروض السينمائية في مختلف الوحدات، وإعداد النشرات المتخصصة في المجال العسكري، إلى جانب النشاطات المرتبطة بالتوعية والتجنيد والدراسات.
ومع بداية عملي في رئاسة الجمهورية، ظهر نمطٌ مختلف من التعاون مع المحافظة السياسية، حيث أصبح #الإعلام الوطني يُدار ضمن أربع قيادات متكاملة:
الإعلام العام الداخلي والخارجي، وتتكفل به وزارة الثقافة والإعلام (وليس الاتصال)، بقيادة الدكتور أحمد طالب؛
الإعلام الحزبي، ويتولاه محمد الشريف مساعدية؛
الإعلام الرئاسي، ويتولاه العبد الضعيف؛
الإعلام العسكري، وتتولاه المحافظة السياسية بقيادة سي الهاشمي.
وتواصل عملي مع الرفقاء في المجلة، إذ كنت ألتحق بهم بعد إنهاء عملي الطبي، في مطبعة الجيش بباب الواد، المقابلة لمستشفى مايو. وحرصت على تعلّم وممارسة بعض أساليب تصفيف الحروف الرصاصية والطباعة بالـلينوتيب، حتى لا أشعر بالضآلة أمام خبراء الطباعة آنذاك.
وكان العمل يتم في جو رائع من التكامل والتنسيق، غير أنه لم يخلُ من هنّاتٍ يرتكبها بعض الصغار، بدا أن هدفها إشعال النار بين الكبار. إلا أن ذلك لم ينجح في إفساد جو المودة والاحترام بين قادة المؤسسات، ولم يؤثر سلبًا على فاعلية التنسيق في أداء الإعلام الوطني. فإلى جانب كل مسؤول أو عامل كان قيمةً في مجاله، كانت هناك متابعة دقيقة من سي الهاشمي، وكان “الموسطاش” يؤدي دور “المايسترو”.
ولأنني كنت مكلفًا بتنظيم التغطية الإعلامية لنشاطات الرئيس، محليًا ودوليًا، كنت أطالب المؤسسات الثلاث بإيفاد عدد من صحفييها للقيام بالتغطية المطلوبة، بالتنسيق مع البروتوكول والأمن، خاصة خلال زيارات رؤساء الدول الأجنبية، وكنت أحرص دائمًا على أن يكون رجال الإعلام في المستوى اللائق للتعامل مع ضيوف رئيس الجمهورية.
وحدث ذات يوم، وقبيل وصول وفد رئاسي أجنبي، أن جاءني إلى المطار صحفي باسم المحافظة السياسية للانضمام إلى مجموعة التغطية. وعندما رأيته، بدا لي وكأنه استيقظ لتوّه من النوم، فوضع على كتفيه ما وجده أمامه، وانتعل ما يشبه الخف، فظهر أشعث أغبر. ولم أسمح له بمرافقة مجموعة التغطية الرئاسية، رغم احتجاجه بأنه يمثل الإعلام العسكري. واضطررت أن أقول له إن الإعلام العسكري، في غياب الهاشمي حجريس، يمثله الواقف أمامك، والذي لن يسمح لك بالانضمام إلى مجموعة التغطية. فغادر وهو يغمغم بما لم أتبينه.
وتحوّل هذا المخلوق، خاصة بعد أن فرّ إلى القطر المجاور ووضع نفسه في خدمة #المخزن وغير المخزن، إلى قناة صرف صحي تخصصت في إغراق من لا يحبهم بكل أنواع الأكاذيب والبذاءات، ودفع ثمن ذلك خاليًا حتى من المواطنين، ونلتُ أنا القسط الأوفر.
وبعد مسيرة بالغة الأهمية وشديدة الفعالية في المحافظة السياسية، تم تعيين سي الهاشمي في يناير 1975 على رأس الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة)، ثم قائدًا للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال. وبعد ترقيته إلى رتبة عميد، عُيّن سنة 1987 مفتشًا عامًا للجيش.
وفي ديسمبر 1989، خلال عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، أصبح مسؤولًا عن العلاقات الخارجية بالمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني، ثم أُعيد تعيينه في المنصب ذاته سنة 1991.
وكان سي الهاشمي، على ما أتذكر، من تلاميذ معهد ابن باديس، وحاصلًا على شهادة الحقوق من جامعة قسنطينة، أي أنه باديسي نوفمبري.
ويقول عنه الدكتور عميمور أيضًا:
عرفتُ الرائد الهاشمي حجريس خلال المرحلة التي كنتُ أتولى فيها مسؤولية إدارة الخدمات الصحية للبحرية الجزائرية. وقد استطاع سي الهاشمي أن يجعل من مجلة الجيش الناطقة بالعربية منبرًا ثقافيًا وفكريًا، يتابعها باهتمام معظم المثقفين باللغة العربية. وجمع فيها نخبة من الكتّاب، من بينهم زهور ونيسي، ومحمد العربي ولد خليفة، وعبد الله ركيبي، وعثمان سعدي، والتلي بن الشيخ، والطاهر وطار، وآخرون ضاعت مني أسماؤهم بمرور السنين.
ورغم أن المجلة كانت في الأصل مجلة عسكرية، إلا أنها كانت تُباع للجمهور بسعر بسيط، وتحقق رواجًا كبيرًا بفضل موادها الثرية التي شملت السياسة والأدب والعلوم، إلى درجة أن كثيرين كانوا يوصون باعة الصحف بحجز نسخ منها لهم فور صدورها.
ومن حق سي الهاشمي أن أسجل له كلمات تفضل بها في الحفل الذي أقامه المجلس الأعلى للغة العربية، ذات يومٍ إبان رئاسة الدكتور ولد خليفة، تكريما للعبد الضعيف، حيث قال موجهًا كلامه لي:
هدف كلمتي أن أكون منصفا معك، ربما الفترة التي قضيناها مع بعضنا، وعملنا فيها مع بعضنا، لا يعرفها البعض، لصعوبتها ومشاكلها والحساسيات التي كانت تكتنفها حينئذ.
في بداية الاستقلال كأن الدكتور عميمور طبيبا في البحرية الوطنية ،والى جانب هذا العمل الطبي العسكري كأن يتردد على المحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي، التي كان لي شرف الإشراف عليها لعدة سنوات، وكأن الدكتور مهتما أشد الاهتمام بالتكوين والتثقيف داخل وحدات مؤسسات الجيش الوطني الشعبي، وكنا نعمل معا في هذا الإطار ،لكن أكثر ما عملنا معا في “مجلة الجيش” التي كان لها صدى كبير في الأوساط الشعبية، وبين الطلبة على وجه الخصوص، وكانت مرجعا أساسيا ورئيسيا، لأن المراجع فيما يتعلق بالحياة الوطنية كانت قليلة جدا.
ومن المساهمين في هذا المجهود التثقيفي والتربوي والإعلامي والسياسي الدكتور محي الدين عميمور والدكتور محمد العربي ولد خليفة والمحترمة السيدة زهور ونيسي إلى جانب إخوان آخرين ،لا أستطيع أن أتذكرهم هنا جميعا، كل منهم قام بدور هام وبإخلاص.
وأنا مدين للدكتور عميمور في كل ما قدمه للجيش الوطني الشعبي في تلك الفترة، ومدين له بالإخلاص في العمل، على الرغـم من أنه كان يميل أحيانا إلى الجدال، وهذا ليس عيبا في ذاته، لكن الجانب الايجابي فيه أنه كان يبلغ الرسالة، ويعرف ما يقول، ويعرف ما هو منتظر منه في الجيش الوطني الشعبي، وخاصة في المستوى الأعلى لدى الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي كان يعطي عناية خاصة لمجلة الجيش، التي كانت إلى حد ما لسان الثورة ولسان القيادة في ذلؾ الوقت.
أردت هنا أن أنصفك حتى لا يبقى فراغ في مسيرتك المهنية في مختلف القطاعات التي اشتغلت فيها، وخاصة في الجيش الوطني الشعبي، فأشكرك على كل ما قدمته وعلى إخلاصك معنا في ذلك الوقت، ولأنك تعرف ما هو منتظر منك سواء في المحافظة السياسية أو مع السيد الرئيس بو مدين، الذي كان كثير الاهتمام بمجلة الجيش، في كل الأوقات وفي كل الظروف، والتي كثيرا ما يمر عبرها لتبليغ رسالة أو تبليغ قرار.
أتمنى لك حياة مديدة، حتى لا ينقطع عنا إنتاجك الثقافي والسياسي والأدبي. كان هذا ما صرح به الجنرال.
وكان للمجلة دور مرموق خلال مرحلة الصراع العربي–الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، وأثارت بعض مقالاتها ردود فعل واسعة في المشرق العربي، لا سيما افتتاحياتها التي كان يُعدّها سي الهاشمي بتوجيه من الرئيس بومدين. وأعتز بأنني كنت آنذاك من كتّاب بعض افتتاحياتها، والتي لم أكن أستشير فيها أحدًا.
كما كان للمجلة، تحت إشراف سي الهاشمي، دور ثقافي بالغ الأهمية إلى جانب مجلة المجاهد، لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني، حيث شكّلتا أهم منابر اللغة العربية وساحة للحوار الفكري المثمر، وكانتا المنبرين الوحيدين آنذاك، قبل أن يتم قتل مجلة المجاهد خلال مرحلة مؤسفة من تاريخ الحزب.
ومما أذكره عن سي الهاشمي: مظهره الوسيم، وهدوءه المتميز، وتعمقه في اللغة العربية، إلى جانب تمكنه من اللغة الفرنسية.
إن استحضار اسم ججريس اليوم ليس بكاءً على الماضي، بل إنصافٌ لرجلٍ عاش نزيهًا، ورحل صامتًا، وترك لنا دينًا اسمه الاعتراف بالجميل.
هذه كلمات نسجل بها تقديرنا لمناضلٍ وفيٍّ خدم بلده، حتى لا نتهم بأننا ننسى الرجال الذين ضحوا من أجله.
_______
مقال مشترك: سمية معاشي والدكتور محيي الدين عميمور
الصور من ألبوم ذكريات الدكتور عميمور.