#شخصية_اليوم: أحمد حماني ( 6 سبتمبر 1915 – يونيو 1998) فقيه مالكيّ، أشعريّ، خطيب، مجاهد.
حاورت الدكتور عميمور: سمية معاشي

📍#شخصية_اليوم: أحمد حماني
( 6 سبتمبر 1915 – يونيو 1998)
فقيه مالكيّ، أشعريّ، خطيب، مجاهد. ورجل موقف لم تفصله المحن عن رسالته. فقد عاش بين قاعات الدرس وأروقة السجون، وبين الصحافة والعمل الإصلاحي، وظل وفيًا لخط جمعية العلماء وروح النهضة التي بثها الإمام عبد الحميد بن باديس في نفوس تلاميذه.
تعاطف لفترة مع ألمان هتلر نكاية في الفرنسيين فحُكم عليه بالسجن ولم يخرج من “لامبيس” إلا بعد وقف إطلاق النار، كرمته الجزائر فأصدرت طابع بريد يحمل صورته.
من أبرز علماء الجزائر في العصر الحديث، ومن كبار رجال الإفتاء للمذهب المالكي.
ولد أحمد بن محمد بن مسعود بن محمد حماني بقرية “ازيار” الواقعة في دوار “تمنجر” ببلدية “العنصر “دائرة “الميلية” ولاية “جيجل”، وقام والده بتغيير تاريخ الميلاد إلى سنة 1920 حتى يكمل دراسته قبل أن تدركه الخدمة العسكرية.
وينتسب الشيخ إلى عائلة مشهود لها بمقاومة الاستعمار.
نزح إلى قسنطينة في ربيع 1930 فأتم حفظ القرآن بكتاب سيدي أمحمد النجار ثم انخرط في سلك طلبة الإمام عبد الحميد بن باديس ابتداء من أكتوبر 1931 مدة ثلاث سنوات (سبتمبر 1934)، وحضر بهذه السنة اجتماعا عاما لجمعية العلماء وانخرط فيها كعضو عامل.
ارتحل إلى تونس في 1934 والتحق بجامع الزيتونة حتى حصل على الأهلية في 1936، وعلى شهادة التحصيل في 1940، وعلى شهادة العالمية في سنة 1943.
عمل بمجلة «الشهاب»، ثم بجريدة «البصائر» وكتب فيهما، وتحمل مسؤوليات في جمعية العلماء، وشارك في #الصحافة التونسية والجزائرية منذ سنة 1937، وانتخب أمينا عاما في جمعية الطلبة الجزائريين بتونس بجانب الأستاذ الشاذلي المكي .
في الحرب العالمية نزل الألمان بتونس في نوفمبر 1942 فغامر بالاتصال معهم وقد انكشف له خبث نياتهم وسوء نظرهم إلى العرب (ويكيبيديا) ولكن ألصقت به تهمة الاتصال بالعدو في زمن الحرب، فدخل عالم السرية.
في 30 افريل 1944 عاد إلى الجزائر في عهد السرية، وباشر العمل في التربية والتعليم، ورغم أن البحث عنه كان ما يزال جاريا بتهمتين: الفرار من الجندية الإجبارية والتعاون مع العدو في زمن الحرب، فقبض عليه ثم قدم إلى المحاكمة في 20 مارس 1945.
عين بعد الإفراج عنه مديرا علميا للدراسة في التربية والتعليم، وأهم ما طرأ على الدراسة في هذه المدرسة إنشاء التعليم الثانوي بها، وعين لمباشرتها الشيخ السعيد حافظ لقسم الإناث، وأحمد حماني لقسم الذكور، ثم جاءت أحداث 8 ماي 1945، فصدر الأمر بغلق المدرسة وكل مدارس الجمعية في ولاية الشرق ابتداء من شهر ماي 1945، ولم تفتح إلا بعد نحو عامين.
عندما قامت ثورة 1954 ارتبط بها مع عدد من إخوانه، ودام هذا إلى أن ألقي عليه القبض في 11 أوت 1957 بالعاصمة، ثم حوكم أمام المحكمة العسكرية وحكم عليه بالأشغال الشاقة، ونقل إلى السجن المركزي بتازولت «لمبيس»، حيث بقي هناك إلى يوم 4 أبريل 1962.
بعد اعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 عُيّن عضوا في اللجنة المسؤولة عن التعليم في مدينة قسنطينة، ومديرا لمعهد ابن باديس، ثم استدعي من قسنطينة إلى العاصمة لوظيفة المفتش العام للتعليم العربي، ودام هذا إلى سنة 1963، فلما أسس معهد الدراسة العربية بجامعة الجزائر سمي أستاذا به، وقضى في الجامعة 10 سنوات كاملة من 1962 إلى 1972م.
في عهد الرئيس هواري بو مدين عُين في سنة 1972م رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى إلى عام 1988 ثم حصل على التقاعد ابتداء من يناير 1989م.
عين في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني في سنة 1983 وانتخب رئيسا لجمعية #العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1991 كما تولى إدارة جريدة البصائر في نفس السنة.
للشيخ عدة مؤلفات من أهمها.كتاب «صراع بين السنة والبدعة» دار البعث، 1984(ومن بين ما تناوله فيه عملية الاعتداء على الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة).
والأمل أن يثري القراء هذه المعلومات المأخوذة من “ويكيبيديا” وكتاب “الطبقة السياسية” بالفرنسية، واستنفار الإثراء واحد من أهداف هذه السلسلة.
وفي انتظار ذلك يروي الدكتور محيي الدين عميمور عن ذكرياته مع الشيخ فيقول:
لم أكن أعرف الشيخ معرفة مباشرة، وفي يوم ما خلال الستينيات تابعت حديثا دينيا له بمناسبة المولد النبوي الشريف في المرحلة التي لم نكن ابتلينا فيها بمن يُحرّمون الاحتفال به، تحت تأثير بعض الفتاوى المستوردة.
ولأنني أحسست بأن الحديث طال أكثر مما يجب كتبت مقالا انتقدت فيه الإطالة التي تجعل كثيرين يفرّون من المتابعة، ونحن لا نملك إلا قناة تلفزة واحدة.
وربما كان في مقالي بعض الحدّة الشبابية، فإذا بالشيخ “يُقنبلني” في يوم تالٍ بمقال مطول، سخر فيه من بعض تعبيراتي.
ولأنني لم أكن من النوع الذي يمكن أن “يُكَرْدي” فقد عاجلته بمقال ثانٍ لم تكن تنقصه الحدة.
كنت يومها أمارس عملي في مطار العاصمة مسؤولا عن الرقابة الصحية، والتي كان من بين مهامها متابعة سفر الحجيج والاطمئنان إلى حصولهم على التطعيمات المطلوبة من السلطات السعودية، والتأكد من حملهم للبطاقة الصفراء المعروفة.
ويأتيني أحد معاونيّ ليقول لي إنهم أوقفوا أحد المسافرين الذي لا يحمل بطاقة التطعيم، وتم إبلاغ شرطة المطار لمنعه من السفر طبقا للإجراءات المعمول بها.
ورأيت أن أبحث الأمر بنفسي فتوجهت نحو قاعة الركاب لأفاجأ بأن من يجب أن يُمنع من السفر هو الشيخ: #أحمد_حماني.
كان الشيخ بالغ القلق وأنا أسأله عن سبب عدم إجراء التطعيم ضد أمراض معينة وهو حماية للحاج نفسه وليس مجر إجراء روتيني، فأكد لي أنه تلقى التطعيمات اللازمة لكنه نسي البطاقة في المنزل.
ولم يكن من المعقول أن أكذب رجلا بهذا الوزن.
وهكذا اصطحبته ومرافقه، الذي نسيت درجة قرابته له، وفي مكتبي قمت للمرة الأولى والأخيرة في حياتي المهنية بإعداد بطاقة جديدة بالتطعيمات المطلوبة، وقلت له وهو يودعني متأثرا بأن ثمن البطاقة هو أن يدعو لنا بالخير، وأن يصفح عني، فأنا “فلان” كاتب المقالين “اللعينين”( وكنت آنذاك أستعمل التوقيع المستعار “م..دين”).
وتوقف الشيخ الجليل عن السيْر لثوان وربما لدقائق، ثم التفت إلى مرافقه قائلا: هات الأوراق التي أعطيتها لك، ثم قال لي وهو يسلمني تلك الأوراق: هي مقال كتبته ردّا عليك وأوصيته بان يحملها إلى إدارة الجريدة، عِدْني بأنك سوف تمزقها من دون أن تقرأها.
ومازلت إلى يومنا هذا أشعر بالندم لأنني وفيت بالوعد ولم أقرأ ما كتبه الشيخ، لكنني أتذكر نتيجة الحوار الذي دار بينه وبين الأديب المعروف الطاهر بن عائشة، والذي يفوقني في حدّة التعبير لكيلا أقول سلاطة اللسان.
يومها تناول الشيخ إنتاج بن عائشة مشير إلى لقبه بما اعتبره الطاهر نوعا من السخرية، وكانت إجابته الصاعقة أنه يعتز بأنه ثاني اثنين ينتسب لقبهما إلى أنثى، والأول هو #عيسى_بن_مريم.
ويمكن أن نتخيل المفاجأة.
وتبقى سيرته دعوة متجددة للباحثين إلى إعادة قراءة تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية بعينٍ منصفة، تستوعب تعقيد المرحلة وتقدِّر تضحيات رجالها. فالأمم التي تحفظ ذاكرة علمائها، تحفظ جزءًا أصيلا من هويتها ووعيها بذاتها.
رحم الله كل من سبقونا إلى دار البقاء.
__________
حاورت الدكتور عميمور: سمية معاشي