المقالات

خالد خليفة: أنطولوجيا الخراب السوري وبلاغة الإنسان المكسور: بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين 

خالد خليفة: أنطولوجيا الخراب السوري وبلاغة الإنسان المكسور:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين

 

لم يكن خالد خليفة مجردَ كاتبٍ يدوّن الحكايات، بل كان شاهداً أنطولوجياً على انهيار الإنسان العربي في مرايا الخوف والاستبداد والمنفى الداخلي. لقد كتب سوريا لا بوصفها جغرافيا سياسية فحسب، بل بوصفها جرحاً وجودياً مفتوحاً على العتمة، وكتب الإنسان السوري باعتباره كائناً مأزوماً بين ذاكرة القهر ورغبة الخلاص. ومن هنا اكتسب مشروعه الروائي فرادته؛ إذ تحوّلت الرواية عنده إلى حفرياتٍ في بنية الألم الجمعي، وإلى مساءلةٍ فلسفية لمعنى العيش داخل وطنٍ يأكل أبناءه ببطء.

لقد أدرك خليفة، منذ أعماله الأولى، أنّ الخراب لا يبدأ من سقوط المدن، بل من تصدّع الروح الإنسانية. لذلك جاءت شخصياته مهشّمة، خائفة، قلقة، ومحمّلة بإرث طويل من الصمت والتواطؤ والخذلان. ففي روايته مديح الكراهية لم يكن يتحدّث عن الكراهية بوصفها انفعالاً عابراً، بل بوصفها بنيةً ثقافية وسياسية تُنتجها الأنظمة المغلقة والمجتمعات المأزومة. الكراهية هنا ليست شعوراً فردياً، بل قدرٌ تاريخيّ يتحوّل مع الزمن إلى لغةٍ خفيّة تسكن الوعي الجمعي، حتى يغدو الإنسان أسيراً لعداواتٍ لم يخترها بنفسه.

أما روايته لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة فقد مثّلت ذروةَ اشتغاله الأنطولوجي على مفهوم الموت البطيء. فالسكاكين الغائبة ليست إلا استعارةً مرعبة عن موتٍ بلا أدوات واضحة؛ موتٌ يتسرّب إلى البيوت والوجوه والذاكرة واللغة، حتى تصبح الحياة نفسها شكلاً من أشكال الاحتضار الطويل. لقد كتب خليفة المدينة السورية باعتبارها كائناً خائباً فقد قدرته على الحب، وصار يعيش على أنقاض الخوف والتوجّس والرقابة والاختناق الروحي.

وكان يدرك، بحسّ روائي عميق، أنّ الاستبداد لا يدمّر السياسة وحدها، بل يخرّب المعنى نفسه. فالإنسان المقهور لا يفقد حريته فقط، بل يفقد تعريفه لذاته أيضاً. ومن هنا جاءت شخصياته مأسورةً بالأسئلة الوجودية الكبرى: من نحن؟ وكيف نعيش داخل وطنٍ يُعيد إنتاج الخوف كلَّ يوم؟ وهل يمكن للذاكرة أن تنجو من آلة القمع؟ لقد كانت رواياته محاولةً لاسترداد الإنسان من تحت ركام السلطة والتاريخ والعنف.

وفي رواية الموت عمل شاق يبلغ المشروع الأنطولوجي ذروته الرمزية؛ إذ يتحوّل نقلُ جثمان الأب عبر الحواجز السورية إلى استعارةٍ كبرى عن عبور الإنسان العربي في متاهة العبث السياسي. فالموت عند خليفة ليس نهايةً بيولوجية، بل حدثٌ يكشف هشاشة العالم وانهيار القيم وتفسّخ الروابط الإنسانية. ولذلك بدت شخصياته وكأنها تسير داخل جنازةٍ كونية، حيث يتحوّل الوطن إلى مقبرة مفتوحة، ويتحوّل الإنسان إلى كائن يحمل موته معه أينما ذهب.

لقد امتلك خالد خليفة لغةً سردية كثيفة، مشبعة بالشعر والمرارة والتأمل، حتى بدت الجملة الروائية عنده كأنها تنهيدةُ تاريخٍ كامل. وكان يكتب بعين الشاعر الذي يرى التشققات الخفية في الروح، وبوعي المفكر الذي يفهم أنّ المأساة ليست حدثاً عابراً، بل نظاماً كاملاً من التشويه النفسي والاجتماعي. ولذلك لم تكن رواياته وثائق سياسية مباشرة، بل نصوصاً وجودية تفضح هشاشة الإنسان حين يُترك وحيداً أمام الطغيان والموت والخذلان.

ولعلّ القيمة الكبرى في تجربة خليفة تكمن في أنه أعاد للرواية العربية وظيفتها الأخلاقية والوجودية؛ أي قدرتها على الدفاع عن الإنسان ضدّ التوحّش. لقد كتب عن الهامشيين والمنسيين والمقموعين، لا بوصفهم ضحايا فقط، بل بوصفهم بقايا إنسانية تقاوم الانقراض الروحي. وهنا تلتقي رواياته مع أسئلة كبار الروائيين الوجوديين في العالم، من فيودور دوستويفسكي إلى ألبير كامو، حيث يتحوّل الأدب إلى مقاومةٍ ضد العبث، وإلى محاولةٍ لإنقاذ المعنى من السقوط النهائي.

لقد رحل خالد خليفة جسداً، لكن نصوصه بقيت شاهدةً على زمن عربيّ تكسّرت فيه المدن والأحلام والذوات. وسيظلّ اسمه مرتبطاً بذلك الأدب الذي لم يكتفِ بوصف الألم، بل حاول أن يمنح المأساة صوتاً إنسانياً عميقاً، وأن يجعل من الرواية مرآةً للوجود المهدَّد بالعدم. ففي عالمٍ يزداد قسوةً واغتراباً، تبدو كتاباته وكأنها صرخةٌ أخيرة للدفاع عن الإنسان، قبل أن يبتلعه الخراب الكامل.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار